الاستاذ رجب ابو الدهب
دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً ..
و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا ..
لذا نرجوا منك التسجيل

الاستاذ رجب ابو الدهب


 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداث  البوابة*البوابة*  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  الأعضاءالأعضاء  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  تسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء  

شاطر | 
 

 التطور التاريخي لحركة التفسير (محمد بن جماعة)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رجب ابو الدهب
المدير العام
المدير العام
avatar

ذكر
الجدي
الثور
عدد المساهمات : 1308
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 28/12/1961
تاريخ التسجيل : 28/02/2010
العمر : 56
الموقع : http://ragab2010.yoo7.com

مُساهمةموضوع: التطور التاريخي لحركة التفسير (محمد بن جماعة)    الأحد يوليو 25, 2010 7:04 pm

]التطور التاريخي لحركة التفسير (محمد بن جماعة





بسم الله الرحمن الرحيم

التطور التاريخي لحركة التفسير

مرّ تفسير القرآن الكريم (1) في مسيرته التاريخية بأربعة أطوار رئيسية، هي (2): طور التأسيس، وطور التأصيل، وطور التفريع،


وطور التجديد. وقد تميز كل طور منها بظروف تاريخية ومزايا منهجية خاصة، نحاول استعراضها في ما يلي.


1- طور التأسيس:
امتد هذا الطور من عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أواخر القرن الثالث للهجرة. فقد بدأت المرحلة التأسيسية لتفسير القرآن في

عهد النبي (صلى الله عليه وسلم). وأشار القرآن إلى أن إحدى وظائف النبي (صلى الله عليه وسلم) هي بيان القرآن للناس: {وَأَنْزَلْنَا

إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل/44).

ولئن نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم والفصيح من كلامهم، فقد كانت الحاجة للبيان النبوي نابعة بالأساس من التفاوت

الطبيعي بين الناس في الفهم، حيث كان يندّ عن بعض الصحابة مدلولات بعض الألفاظ، أو المراد ببعض المفردات أو العبارات. وكان

الصحابة إذا التبس عليهم فهم آية من الآيات سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنها، فيوضح لهم ما غمض عليهم فهمه وإدراكه.


ومن أمثلة ذلك ما ورد عن ابن مسعود: "لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبسُواْ إِيمَانَهُم بظُلْمٍ} الأنعام، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)،
وَقاَلُوا: أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): "لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ.. إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {يَابُنَيّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}".

ولئن ورد خلاف علمي حول ما إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) فسّر جميع آيات القرآن أو بعضها فقط، فإن ما تم توثيقه من

تفسيره (صلى الله عليه وسلم) يعتبر قليلا، وأكثره يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ(التفسير العملي)، بمعنى أنه حين يرد في القرآن مصطلح أو لفظ خاص، مثل الحج أو الصلاة، تأتي أفعال النبي وممارساته مبينة للمراد من هذا الأمر، وليس بالضرورة في هيئة حديث

تفسيري. أما ما أثر من أحاديث نبوية في التفسير فلم يتجاوز شرح بعض المفردات والتراكيب.

و أيّا كان الخلاف في ذلك، فلا خلاف في أن تفسير القرآن لم يكن يدوّن في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) كعلم مستقل بذاته، وإنما

كان يروى منه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما كان يتعرض لتفسيره. ولذلك يمكن القول بأن التفسير ولد في أحضان علم الحديث،

حيث كانت المرويات المتعلقة بتفسير القرآن تمثل جزءاً أساسياً من كتب الحديث.


وبعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، تواصلت حاجة الصحابة إلى فهم القرآن وبيانه للناس. وإضافة لاعتمادهم على عدد من الأدوات


المساعدة في ذلك (معرفتهم باللغة العربية، ومقارنة الآيات بعضها ببعض، وما نقل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من أقوال وأفعال، وتدبّرهم الذاتي)، فقد ساعدهم في الفهم معاصرتهم للسياق الاجتماعي، ومعايشتهم لنزول الوحي، ومخالطتهم للنبي (صلى الله عليه

وسلم) وتأثرهم به وبطريقة تعامله مع القرآن، إضافة لمعرفتهم بمعهود العرب اللغوي والسلوكي والفكري.

ورغم أن عدد الصحابة كان كبيرا، إلا أن من اشتهر منهم بالتفسير لا يتجاوز العشرة: الخلفاء الأربعة (أبو بكر الصديق، وعمر بن

الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب)، وعبد الله بن مسعود، وعبدالله بن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبدالله بن الزبير (3).


وبالرغم من أن ما صح نقله عنهم ليس كثيرا (4)، إلا أن ثلاثة من بين هؤلاء اشتهرت أقوالهم بسبب صحبة بعض التابعين لهم وتلقيهم العلم عنهم: عبدالله بن عباس، وأبي بن كعب وعبدالله بن مسعود.

ويمكن سوق ثلاث ملاحظات عامة بخصوص تفسير الصحابة للقرآن:

- الملاحظة الأولى: متعلقة بغياب التدوين تقريبا، ويعود ذلك لعدم تفشي ثقافة التدوين والكتابة، والاقتصار في ذلك العهد على تدوين المصحف فقط. ولذلك نقلت أغلب أقوال الصحابة في التفسير للجيل اللاحق شفويا.

- الملاحظة الثانية: متعلقة بغياب التفسير المطول والشامل لجميع الآيات، خلافا لما نقل عمن جاء بعدهم، وتطور في العصور اللاحقة، حيث لم تتجاوز أقوالهم شرح بعض المفردات والتراكيب، وبيان المناسبات مما له علاقة بالأماكن والوقائع وأسباب النزول.

- الملاحظة الثالثة: متعلقة بندرة اختلاف التضاد فيما نقل عنهم من تفاسير لنفس الآيات (5).

وشهد آخر عصر الصحابة اتساع نطاق الحاجة إلى تفسير القرآن بسبب الفتوحات ودخول أعداد كبيرة من العرب والأعاجم في الإسلام،

وعدم إحاطة كثير منهم باللغة وظروف التنزيل الذي امتد لبضع وعشرين سنة. فكان لاستقرار بعض الصحابة المشهورين بالتفسير فيمكة والمدينة والعراق أثر في نشأة حركة علمية للإجابة عن التساؤلات المتعلقة بفهم القرآن، كان على رأسها:


- عبدالله بن عباس (ت: 68)، الذي استقر في مكة، ونسبت له "مدرسة التفسير" فيها، وتتلمذ عليه: مجاهد بن جبر (ت: 104)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، وطاووس بن كيسان اليماني (ت: 106)، وعكرمة البربري (ت: 104)، وعطاء بن أبي رباح (ت:

114)، وأبو الشعثاء بن زيد الأزدي (ت: 93) (6).

- أبي بن كعب، الذي استقر في المدينة، ونسبت له "مدرسة التفسير" فيها، ومن تلاميذه: أبو العالية رافع بن مهران (ت: 90)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: 118)، وسعيد بن المسيب (ت: 95)، وزيد بن أسلم (ت: 136) (7).

- عبدالله بن مسعود (ت: 35)، الذي استقر بالكوفة في العراق، ونسبت له "مدرسة التفسير" فيها، ومن تلاميذه: علقمة بن قيس

النخعي (ت: 61)، ومسروق بن الأجدع (ت: 63)، وزِرّ بن حُبَيش (ت: 82)، وعبد الله بن حبيب السلمي (ت: 73)، والأسود بن يزيد النخعي (ت: 74)، وعامر الشعبي(ت: 109)، والحسن البصري (ت: 110)، وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: 117)، وعبيدة

السلماني (ت: 72) (Cool.
وبالإضافة لذلك، تضافرت عوامل هامة أخرى ساهمت في تطور حركة التفسير في عصر أتباع التابعين، منها:

- الخلافات السياسية التي زادت حدتها إثر مقتل الخليفة عثمان بن عفان (سنة 35)، والتي اختلط فيها السياسي بالديني،

- بداية الكلام في مسائل الاعتقاد، وظهور القول بالقدر والإرجاء في مقابل غلو الخوارج، واستمرار ذلك إلى أواخر القرن الثاني للهجرة، مع ظهور القول بخلق القرآن ونفي الصفات،

- ظهور الوعّاظ والقصّاصين الذين اهتموا بأحاديث الترغيب والترهيب، وبالقصص القرآني،

- التأسيس لنشأة ثلاثة تخصصات جديدة: علم اللغة، والأدب، ورواية الحديث النبوي (9).
وفي هذا العصر أيضا، بدأ تدوين التفاسير المستقلّة، وجمع أقوال بعض التابعين وأتباعهم في كتب، ومنها (10): تفسير مجاهد، وتفسير ابن عباس وتفسير الحسن البصري، وتفسير قتادة، وتفسير سفيان الثوري، وتفسير السدي الكبير، وتفسير عبدالرزاق الصنعاني.
ومن الملاحظ أن حركة التفسير اكتفت، طيلة طور التأسيس، ببيان بعض المفردات والعبارات القرآنية، وبتفسير بعض آيات الأحكام،

وقصص القرآن. ولم يظهر تفسير القرآن كاملا إلا في أواخر القرن الثالث للهجرة (11)، حيث أصبح التفسير علما قائما.

وأما من الناحية المنهجية، فيمكن القول إن التفسير في طور التأسيس غلبت عليه نزعتان:

- نزعة أثرية، تعنى برواية الأقوال مسندةً إلى أصحابها، على نمط أهل الحديث. وممن تميز بذلك في تفسيره: مجاهد (ت: 102)، والحسن البصريّ (ت: 110)، والسدّيّ الكبير (ت: 128)، وسفيان الثوريّ (ت: 161).

- نزعة لغوية بيانية، تعنى ببيان معاني المفردات القرآنية من خلال الشواهد الشعرية وأقوال العرب. وممن تميز بذلك: أبو عبيدة مَعمَر بن المثنّى (ت: 210) في كتابه "مجاز القرآن"، والفرّاء (ت: 207) في كتابه "معاني القرآن"، والأخفش (ت: 215) في كتابه "معاني القرآن".

2- طور التأصيل:
يمثل عمل أبي جعفر محمد بن جرير الطبريّ (ت: 310) علامة فارقة في حركة التفسير، باعتباره أول من أصّل لعلم التفسير وأرسى أسسَه وقواعدَه، وأيضا باعتباره أول من فسّر القرآن آيةً آية وجملةً جملة، وذلك في نهاية القرن الثالث للهجرة.
وقد أفاد الطبري منهجيا من جهود سابقيه القائمة على أساس النزعتين الأثرية واللغوية، لتأصيل أول منهجية متكاملة في التفسير، من خلال الجمع بين الاتجاهين وإضافة استنباطاته وترجيحاته. ويعتبر كتابه "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" أول تفسير كامل للقرآن على أساس منهجي، وقد أملاه ابن جرير على تلاميذه من سنة 283 هـ إلى سنة 290، ثمَّ قُرئ عليه سنة 306.
تقوم منهجية الطبري في التفسير، والتي نقلت حركة التفسير من طور التأسيس إلى طور التأصيل، على أصول ثلاثة: اللغة، والأثر، والترجيح والاستنباط.
وقدَّمَ الطبريُّ لتفسيرِه بمقدمة علميَّة حشدَ فيها جملة من مسائل علوم القرآن، منها: اللغة التي نزل بها القرآن والأحرفُ السبعة، والمعربُ، وطرق التفسيرِ، وقد عنون لها بقوله: (القول في الوجوه التي من قِبَلِها يُوصلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ)، وتأويل القرآنِ بالرأي، وذكر من تُقبل روايتهم، ومن لا تُقبل في التَّفسير.
ثمَّ ذكر القولَ في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه، ثمَّ القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب، ثمَّ القول في الاستعاذة، ثُمَّ القول في البسملة. ثمَّ ابتدأ التفسيرَ بسورة الفاتحة، حتى ختم تفسيرَه بسورةِ النَّاسِ.
وتتميز منهجية الطبري في التفسير بما يلي(12):
- اعتمد أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولم يكن له ترتيب معيَّن يسير عليه في ذكر أقوالهم.
- لم يخرج في ترجيحاته عن قول هذه الطبقات الثلاث إلا نادرًا. وكان شرطه في كتابه أن لا يخرج المفسر عن أقوال هذه الطبقات الثلاث.
- يؤخر أقوال أهل اللغة، ويجعلها بعد أقوال السلف، وأحيانًا بعد ترجيحه بين أقوال السلف.
- غالب ما رواه عن أهل اللغة متعلق بالإعراب.
- اعتمد النظر إلى صحة المعنى المفسَّر به، وإلى تلاؤمه مع السياق، وكان هذا هو منهجَه العام في التفسير، وكان يعتمد على صحة المعنى في الترجيح بين الأقوال.
- كان يُجزِّئ الآيةَ التي يريد تفسيرَها إلى أجزاء، فيفسّر كل جزء على حدة. وإذا وجد خلافا في تفسيره، ذكر الخلاف ثم ترجيحه. وبعد ذلك يذكر المعنى العام.
- إذا لم يكن هناك خلاف بين المفسرين السابقين، فسَّر إجمالا، ثم قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل).
- إذا كان بين المفسرين السابقين خلاف، ذكر التفسير الجملي، ثم نص على وجود الخلاف، كقوله: (واختلفَ أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ ذلكَ، فقال بعضهم فيه نحوَ الذي قلنا فيه). وقد يذكر اختلاف أهل التأويل بعد المقطع المفسَّرِ مباشرةً، ثمَّ يذكر التفسير الجملي أثناء ترجيحه.
- من عادته في ذكر مختلف الأقوال أن يقول: (فقال بعضهم...)، ثمَّ يقول: (ذِكْر من قال ذلك...)، ثمَّ يذكر أقوالهم مسندًا إليهم بما وصله عنهم من أسانيد. ثمَّ يقول: (وقال غيرهم...)، (وقال آخرون...)، ثمَّ يذكر أقوالهم. فإذا انتهى من عرض أقوالِهم، رجَّحَ ما يراه صوابًا، وغالبًا ما تكون عبارته: (قال أبو جعفر: والقول الذي هو عندي أولى بالصواب، قول من قال...)، أو يذكر عبارة مقاربةً لها، ثمَّ يذكر ترجيحَه، ومستندَه في الترجيحِ، وغالبًا ما يكون مستندُه قاعدةً علميَّة ترجيحيَّةً. وهذا مما تميَّزَ به في تفسيرِه.
- أورد بعض مرويات بني إسرائيل.

3- طور التفريع والتطبيقات:
امتد هذا الطور من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر للهجرة. وتميزت هذه الفترة بظهور عشرات التفاسير المختلفة في المنهج.
ويعود التنوع الكبير في محتوى تفاسير هذه الحقبة التاريخية أساسا للتوسع في مختلف المسائل وإضافة معارف أخرى، بحيث لم تكن كتبا خالصة للتفسير. ولو جُرِّدَ التفسير من كثيرٍ من هذه المعلومات، لتقاربتْ مناهجُ المفسِّرين، ولكان جلُّ الخلافِ بينهم في وجوهِ التَّفسيرِ، وترجيحِ أقوالِ المتقدِّمينَ.فقد جمعت بين المسائل التالية:
1- تفسير القرآن (أي: بيانه بيانا مباشرا)،
2- معلومات تفيدُ في تقوية بيان المعنى، وليست من جوهر التفسير، أن غيابها لا تؤثر على فهم المعنى،
3- استنباطات عامة، في الآداب والفقه وغير ذلك،
4- لطائفُ ومُلَحٌ تفسيريَّة (13)،
5- مسائل متعلقة بعلوم القرآن،
6- مسائل أخرى من شتَّى المعارف الإسلاميَّة وغيرِها، يغلب عليها عدم وجود صلة بينها وبين علم التفسير. غير أن المفسر يذكرها لكونه ممن برز في علم من هذه العلوم، فيحشو تفسيره به. فترى الفقيه يورد مسائل علم الفقه، والنَّحويَّ يورد مسائلَ علم النَّحو، والمتكلِّم يوردُ مسائلَ علم الكلام، وهكذا.

وبسبب تعدد العلوم والمعارف، وتنوع الفرق والمذاهب، واختلاط العرب بثقافات أقوام أخرى داخلة في الإسلام، بدأت تبرز تدريحيا نزعة عقلية في التفسير متحررة من الاعتماد المطلق على اللغة والأثر. فظهرت تفاسير تذكر أوجها تفسيريَّة جديدة مختلفة عمَّا ورد عن السلف، فركّز بعضها على الاستنباطات الفقهيَّةِ أو الأدبيَّةِ، واتخذ البعض أسلوب المتكلمين في الاستدلال للمسائل العقدية، وظهرت التفاسير الصوفية قائمة على التأويل العرفاني، إلى غير ذلك. ومن أمثلة التفاسير التي اشتهرت في طور التفريع: تفسير "الجامع لأحكام القرآن" لكلّ من القرطبي والجصّاص، وتفسير "مفاتح الغيب" للفخر الرازي.

4- طور التجديد:
بدأ هذا الطور مع بداية القرن الرابع عشر للهجرة (القرن العشرين الميلادي)، نتيجة تواصل المسلمين بالحضارة الغربية، والنقاش الذي شهده جامع الأزهر حول مناهج التدريس والحاجة للتجديد، والذي ترجم إلى صدام بين الداعين للتغيير والرافضين له على أساس الارتياب في أن تكون مطالب التغيير جاءت لخدمة مصالح استعمارية خفية.
وبالرغم من هذه المعارضة الشديدة، بدأ الشيخ محمد عبده (ت: 1323 هـ/1905 م) في إلقاء سلسلة من المحاضرات في التفسير، وأملى فيها تفسيرا جزئيا، ضمنه فيما بعد تلميذه محمد رشيد رضا (ت: 1354 هـ/1935 م)، في كتابه "تفسير القرآن الحكيم" المشهور بتفسير المنار، الذي جاء بمنهجية مختلفة عما سبق في كتب التفسير، وأحدث مع بعض التفاسير التي تلته تجديدا في تفسير القرآن والتعامل معه، غيّر النظرة التقليدية التي طغت طيلة القرون السابقة.
يقوم المنهج التجديدي لمحمد عبده في التفسير على أساس اعتبار القرآن "كتاب هداية". وعلى هذا، جاء انتقاده الشديد لمناهج وأدوات التفسير السابقة والتي كانت تركز على القضايا الكلامية والبلاغية، واصفا منهج التفسير القائم عليها بالجفاف والإغراق في قضايا بعيدة عن مقاصد القرآن. ولبيان هذا الموقف، ننقل كلام محمد عبده كما أورده رشيد رضا، حيث ذكر أن التفسير قسمان (14):


"(أحدهما) جافٌ مبعدٌ عن الله وعن كتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما.
و(ثانيهما) وهو التفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية، هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام ليتحقق فيه معنى قوله (هدى ورحمة) ونحوهما من الأوصاف. فالمقصد الحقيقي وراء كل تلك الشروط والفنون: هو الاهتداء بالقرآن. قال الأستاذ الإمام: وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير".
[size=24]

وعلى هذا الأساس، وصف رشيد رضا تفسير أستاذه قائلا: "هذا هو التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول، الذي يبيّن حِكَم التشريع، وسننَ الله في الكون، وكونَ القرآن هدايةً للبشر في كل زمان ومكان، ويوازن بين هدايته وما عليه المسلمون في هذا العصر وقد أعرضوا عنها، وما كان عليه سلفهم المعتصمون بحبلها، مراعى فيه السهولة في التعبير، مجتنبًا مزجَ الكلام باصطلاحات العلوم والفنون، بحيث يفهمه العامةُ، ولا يستغني عنه الخاصة" (15).

وكان من آثار جهود محمد عبده وتلميذه رشيد رضا التجديدية في التفسير والتعامل مع القرآن، أن نشأت حركة إصلاحية كبيرة في العالم العربي تركت آثارا ملحوظة في فهم القرآن والإسلام، ونتج عنها تأسيس ما يعرف بالعمل الحركي الدعوي، ونشوء طبقة واسعة من العلماء والدعاة المنخرطين فيه. وقد كان من أثر ذلك تأليف تفسير سيد قطب (ت: 1965م) "في ظلال القرآن"، والذي بناه بشكل فريد على نظرية (التصوير الفني في القرآن).

وشهدت هذه الفترة التاريخية أيضا نشوء اتجاه أدبي في التفسير، متمثلة في مدرسة أمين الخولي، والتأصيل لنظرية التفسير البياني


للقرآن. ثم تلى ذلك ظهور فن جديد في التفسير سمي بالتفسير الموضوعي، مثّل نمطاً منالاستجابة للتطورات الحديثة التي استجدت في حياة المسلمين، باعتبارهمنهجاً يساعد المفسر على استجلاء نظريات القرآن وقواعده في شتى شؤون الفكروالحياة. وقد مثلت مدرسة

المنار والمدرسة الإصلاحية، والاتجاه الأدبي في التفسير، أهم الحواضن للتفسير الموضوعي.

وعلى الرغم من نقص التأصيل والضبط المنهجي لهذا الفن من التفسير، يمكن القول إن التفسير الموضوعي شكّل بداية لنقلة هامة في


دراسة القرآن من مستوى التفسير النصي إلى مستوى تحليل الخطاب، وهو ما يجعله قادرا على تشكيل أرضية متينة للدرس القرآني المعاصر، وذلك من خلال تطوير الأدوات المنهجية وربطها بالعلوم اللسانية، والتي يمكن من خلالها الكشف عن بنية القرآن ومفاهيمه




ونظرياته وأحكامه، بطريقة أشد تماسكا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ragab2010.yoo7.com
سعاد

avatar

انثى
عدد المساهمات : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: التطور التاريخي لحركة التفسير (محمد بن جماعة)    الأحد أغسطس 15, 2010 7:50 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التطور التاريخي لحركة التفسير (محمد بن جماعة)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ رجب ابو الدهب :: منتدى القران الكريم والتفسير-
انتقل الى: