الاستاذ رجب ابو الدهب
دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً ..
و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا ..
لذا نرجوا منك التسجيل

الاستاذ رجب ابو الدهب


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  تسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء  

شاطر | 
 

 كتاب خطب الجمعة الجزء الاول(خطب الرسول والصحابة والتابعين)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رجب ابو الدهب
المدير العام
المدير العام


ذكر
الجدي
الثور
عدد المساهمات : 1306
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 28/12/1961
تاريخ التسجيل : 28/02/2010
العمر : 54
الموقع : http://ragab2010.yoo7.com

مُساهمةموضوع: كتاب خطب الجمعة الجزء الاول(خطب الرسول والصحابة والتابعين)   السبت يونيو 26, 2010 3:12 am



القسم الأول

خطبة النبي صلى الله عليه وسلّم في أوّل جمعة صلاها في المدينة

" الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره, وأستهديه وأؤمن به, ولا أكفره, وأعادي من يكفره, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق, والنور والموعظة, على فترة من الرسل, وقلّة من العلم, وضلالة من الناس, وانقطاع من الزمن, ودنوّ من الساعة, وقرب الأجل, ومن يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد غوى وفرّط, وضلّ ضلالا بعيدا.


وأوصيكم بتقوى الله, فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة, وأن يأمره بتقوى الله.

فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه, ولا أفضل من ذلك نصيحة, ولا أفضل من ذلك ذكرى, وانه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة, وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة, ومن يصلح الذي بينه وبين الله تعالى من أمر السر والعلانية _ولا ينوي بذلك الا وجه الله تعالى_ يكن له ذكرا في عاجل أمره, وذخرا فيما بعد الموت, حين يفتقر المرء الى ما قدّم, وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا, ويحذركم الله نفسه, والله رؤوف بالعباد.

والذي صدق قوله, وأنجز وعده لا خلف لذلك! فانه يقول تعالى:{ ما يبدّل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد}.

واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية, فانه من يتّق الله؛ فقد فاز فوزا عظيما.

وان تقوى الله تقي مقته, وتقي عقوبته, وتثي سخطه, وان تقوى الله تبيّض الوجه وترفع الدرجة.

خذوا بحظكم ولا تفرّطوا في جنب الله, قد علّمكم الله كتابه, ونهج بكم سبيله, ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين.

فأحسنوا كما أحسن الله اليكم, وعادوا أعداءه, وجاهدوا في الله حق جهاده, هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين, ليهلك من هلك عن بيّنة, ويحيا من حيّ عن بيّنة, ولا قوّة الا بالله, فأكثروا من ذكر الله, واعملوا لما بعد الموت, فانه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ولا يملكون منه, الله أكبر, ولا قوّة الا بالله العليّ العظيم".

ذكره الحافظ ابن جرير الطبري بقوله: حدّثني يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أ،ه بلغه عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلّم في أوّل خطبة جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف_رضي الله عنهم_ أنه قال, وذكر هذه الخطبة.

وأورد ابن كثير اسناده البيهقي الى أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أ، قام فيهم, فحمد الله, وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال:

" أما بعد_ أيها الناس_فقدموا لأتفسكم, تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع, ثم ليقولّن له ربه _ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه_ ألأم يأتك رسولي فبلّغك, وآتيتك مالا, وأفضلت عليك, فما قدّمت لنفسك. فينظر _أي العبد_ يمينا وشمال, فلا يرى شيئا, ثم ينظر قدّامه فلا يرى غير جهنّم, فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقّ تمرة, فليفعل, ومن لم يجد فبكلمة طيّبة, فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته".
ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّة أخرى, فقال:

" ان الحمد لله أحمده, وأستعينه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضلّ له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له.

ان أحسن الحديث كتاب الله, قد أقلح من زيّنه الله في قلبه, وأدخله في الاسلام بعد الكفر, واختاره على ما سواه من أحاديث الناس, انه أحسن الحديث وأبلغه, احبوا من أحب الله, أحبوا الله من كل قلوبكم, ولا تملّوا كلام الله وذكره, ولا تقس عنه قلوبكم, فانه من يختار الله ويصطفي, فقد سمّاه خيرته من الأعمال, وخيرته من العباد, والصالح من الحديث, ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام.

فاعبدوا الله, ولا تشركوا به شيئا, واتقوه حق تقاته, واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم, وتحابّوا بروح الله بينكم, ان الله يغضب أن ينكث عهده.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"محمد رسول الله" للشيخ عبدالله سراج الدين.
"الأنوار المحمدية" للشيخ يوسف النبهاني.




خطبة النبي صلى الله عليه وسلم

في حجّة الوداع


" الحمد للله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونتوب اليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله, وأحثكم على طاعته, وأستفتح بالذي هو خير.


أما بعد, أيها الناس, اسمعوا مني أبيّن لكم, فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.

أيها الناس, ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم الى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها. ان ربا الجاهلية موضوع, وان أوّل ربا أبدأ به ربا عمّي العباس بن عبد المطّلب, وان دماء الجاهلية موضوعة, وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث, وان مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسّقاية, والعمد قود, وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر, وفيه مائة بعير. فمن زاد؛ فهو من أهل الجاهلية.

أيها الناس, ان الشيطان قد يثس أن يعبد في أرضكم هذه, ولكنّه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم.

أيها الناس, ان النسيء زيادة في الكفر, يضل به الذين كفروا, يحلّونه عاما, ويحرّمونه عاما لواطئواعدّة ما حرّم الله, وان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض, منها أربعة حرم: ثلاث متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ورجب الذي بين جمادى وشعبان, ألأ هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

أيها الناس: ان لنسائكم عليكم حقا, ولكن عليهنّ حق ألا يوطئن فرشكم غيركم, ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيتكم الا باذنكم, ولا يأتين بفاحشة؛ فان فعلن, فان الله قد أذن لكم أن تعضلوهن, وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح, فان انتهين وأطعنكم, فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وانما النساء عندكم عوان, ولا يملكنّ لأنفسهن شيئا, أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

فاتقوا الله في النساء, واستوصوا بهن خيرا, ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

أيها الناس, انما المؤمنون اخوة, ولا يحل لامرئ مال أخيه الا عن طيب نفس منه, ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.

أيّها الناس, ان ربكم واحد, كلكم لآدم وآدم من تراب, أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربي فضل على عجمي الا بالتقوى. ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد. فليبلّغ الشاهد منكم الغائب.

أيها الناس, ان الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث, ولا تجوز لوارث وصيّة, ولا تجوز وصيّة في أكثر من الثلث, والولد للفراش وللعاهر الحجز. من ادّعى الى غير أبيه أو تولّى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم ورحمة الله ".
نور اليقين", محمد الخضري.




من خطب سيدنا أبي بكر

رضي الله عنه


1. العمل لليوم الآخر:


أخرج ابن عساكر عن موسى بن عقبة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يخطب فيقول:

الحمد لله رب العالمين, أحمده وأستعينه, ونسأله الكرامة فيما بعد الموت, فانه قد دنا أجلي وأجلكم, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا, لينذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين. من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا.

أوصيكم بتقوى الله, والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به, فان جوامع هدى الاسلام بعد كلمة الاخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم, فانه من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح وادّى الذي عليه من الحق, وايّاكم واتّباع الهوى, فقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب, واياكم والفخر, وما فخر من خلق من تراب, ثم الى التراب يعود, ثم يأكله الدود, ثم هو حيّ وغدا ميّت؟!

واصبروا فان العمل كله بالصبر, واحذروا, والحذر ينفع, واعملوا, والعمل يقبل, واحذروا ما حذركم الله من عذابه, وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته, وافهموا وتفهّموا, واتقوا الله وتوقّوا, فان الله قد بيّن لكم ما أهلك من كان قبلكم, وما نجّى به من نجّى قبلكم, قد بيّن لكم في كتابه حلاله وحرامه, وما يحب من الأعمال وما يكره, فاني لا آلوكم ونفسي, والله المستعان, ولا حول ولا قوة الا بالله, واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربّكم أطعتم, وحظّكم حفظتم, واغتبطتم, وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم, وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم اليها, ثم تفكّروا عباد الله في اخوانكم وصحابتكم الذين مضوا, وقد وردوا على ما قدّموا, فأقاموا عليه, وحلّوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت. ان الله ليس له شريك, وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا, ولا يصرف عنه سوءا الا بطاعته واتباع أمره, فانه لا خير في خير بعده النار, ولا شر في شر بعده الجنة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم, وصلّوا على نبيّكم صلى الله عليه وسلم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


"حياة الصحابة" (4\243-245)



2. خطبته رضي الله عنه عن اخلاص العمل لليوم الآخر:


ان الله عز وجل لا يقبل من الأعمال الا ما أريد به وجهه, فأريدوا الله بأعمالكم, واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها, وخطأ ظفرتم به, وضرائب أدّيتموها, وسلف قدّمتوه من أيّام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم, اعتبروا عباد الله بمن مات منكم, وتفكّروا فيمن كان قبلكم, أين كانوا أمس وأين هم اليوم؟.

أين الجبّارون؟ وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في موطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر, وصاروا رميما, قد تركت عليهم القالات: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.

وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟.

قد بعدوا ونسي ذكرهم, وصاروا كلا شيء, ألا ان الله قد أبقى عليهم التبعات, وقطع عنهم الشهوات, ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم, وبقينا خلفا بعدهم, فان نحن اعتبرنا بهم؛ نجونا, وان اغتررنا كنا مثلهم.

أين الوضّاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟.
صاروا ترابا, وصار ما فرّطوا فيه حسرة عليهم.


أين الذين بنوا المدائن, وحصّنوها بالحوائط, وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم. فتلك مساكنهم خاوية وهم ظلمات القبور, هل تحس منهم من أحد أ, تسمع لهم ركزا؟

أين من تعرفون من أبنائكم واخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم, فوردوا على ما قدّموا, فحلّوا عليه, وأقاموا للشقوة والسعادة فيما بعد الموت.

ألا ان الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا, ولا يصرف عنه سوءا الا بطاعة واتباع أوامره, واعلموا أنكم عبيد مدينون, وأن ما عنده لا يدرك الا بطاعته. أما انه لا خير بخير بعده النار, ولا شر بشر بعده الجنة.

أخرج هذه الخطبة الطبري في تاريخه عن عاصم بن عديّ باسناد فيه سيف. قال: وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم فال:...


"حياة الصحابة" (4\242-243)



3. خطبته رضي الله عنه في الحث على العمل لليوم الآخر:


حمد الله وأثنى عليه, ثم قال:

أوصيكم بتقوى الله, وأن تنثنوا عليه بما هو أهله, وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة, وتجمعوا الالحاف بالمسألة, فان الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته, فقال:
{انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}.


ثم اعلموا عباد الله أ، الله قد ارتهن بحقّه أنفسكم, وأخذ على ذلك مواثيقكم, وعوّضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي, وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه, ولا يطفأ نوره. فثقوا بقوله, وانتصحوا كتابه, واستبصروا به ليوم الظلمة, فانه خلقكم لعبادته, ووكل بكم الكرام الكاتبين, يعلمون ما تفعلون. ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه, فان استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله, ولن تستطيعوا ذلك الا بالله, فسابقوا في مهل بأعمالكم قبل أن تنقضي آجالكم, فتردّكم الى سوء أعمالكم, فان أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم, فأنهاكم أ، تكونوا أمثالهم.

فالوحى الوحى, والنجاء النجاء, فان وراءكم طالبا حثيثا مرّه, سريعا سيره.


"العقد الفريد" (4\61-62)



من خطب سيدنا عمر

رضي الله عنه


1.خطبته يوم الجابية

ذكر في كنز العمّال عن موسى بن عقبة, قال: هذه خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية:


أما بعد فاني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى, ويفنى ما سواه, الذي بطاعته يكرم أولياؤه وبمعصيته يضل أعداؤه, فليس لهالك هلك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى, ولا في ترك حق حسبه ضلالة. وان أحق ما تعهّد الراعي من رعيّته أن يتعاهدهم بما لله عليه من وظائف دينهم الذي هداهم الله له, وانما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته, وننهاكم عمّا نهاكم الله عنه من معصيته, وأن نقيم فيكم أمر الله عز وجل في قريب الناس وبعيدهم, ولا نبالي على من مال الحق, وقد علمت أقواما يتمنون في دينهم فيقولون: نحن نصلي مع المصلين, ونجاهد مع المجاهدين, وننتحل الهجرة, وكل ذلك يفعله أقوام لا يحمدونه بحقه, ون الايمان ليس بالتحلّي, وان للصلاة وقتا اشترطه الله فلا تصلح الا به, فوقت صلاة الفجر حين يزائل المرء ليله, ويحرم على الصائم طعامه وشرابه, فآتوها حظها من القرآن.

ووقت صلاة الظهر اذا كان القيظ, فحين تزيغ عن الفلك حتى يكون ظلك مثلك, وذلك حين يهجّر المهجّر, فاذا كان الشتاء, فحين تزيغ عن الفلك حتى تكون على حاجبك الأيمن, مع شروط الله في الوضوء والركوع والسجود, وذلك لئلا ينام عن الصلاة.

ووقت صلاة العصر والشمس بيضاء نقيّة قبل أن تصفارّ قدر ما يسير الراكب على الجمل الثّقال فرسخين قبل غروب الشمس. وصلاة المغرب حين تغرب الشمس ويفطر الصائم.

وصلاة الليل حين يعسس الليل, وتذهب حمرة الأفق الى ثلث الليل.

فمن رقد قبل ذلك فلا أرقد الله عينيه, هذه مواقيت الصلاة:{ ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوت}.

ويقول الرجل قد هاجرت, ولم يهاجر, وان المهاجرين الذين هجروا السيئات.

ويقول أقوام: جاهنا, وان الجهاد في سبيل الله مجاهدة العدو واجتناب الحرام. وقد يقاتل أقوام يحسنون القتال, لا يريدون بذلك الأجر ولا الذكر, وانما القتل حتف من الحتوف, وكل امرئ على ما قاتل عليه.

وان الرجل ليقاتل بطبيعته من الشجاعة, فينجّي من يعرف ومن لا يعرف, وان الرجل ليجبن بطبيعته, فيسلم أباه وأمه, وان الكلب ليهرّ من وراء أهله.

واعلموا أن الصوم حرام يجتنب فيه أذى المسلمين كما يمنع الرجل من لذته من الطعام والشراب والنساء, فذلك الصيام التام. وايتاء الزكاة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم طيّبة بها أنفسهم, فلا يرون عليها برّا.

فافهموا ما توعظون به, فان الحريب من حرب دينه, وان السعيد من وعظ بغيره, وان الشقيّ من شقي في بطن امه, وان شر الأمور مبدعاتها. وان الاقتصاد في سنّة خير من الاجتهاد في بدعة. وان للناس نفرة عن سلطانهم, فعائذ بالله أن يدركني واياكم ضغائن مجبولة وأهواء متّبعة ودنيا مؤثرة, وقد خشيت أن تركنوا الى الذين ظلموا فلا تطمئنوا الى من أوتي مالا. عليكم بهذا القرآن, فان فيه نورا وشفاء, وغيره الشقاء, وقد قضيت الذي علي فيما ولاني الله عز وجل من أموركم, ووعظتكم نصحا لكم, وقد أمرنا لكم بأرزاقكم, وقد جنّدنا لكم جنودكم, وهيّأنا لكم وأثبتنا لكم, ووسّعنا لكم ما بلغ فيكم وما قاتلتم عليه بأسيافكم, فلا حجّة لكم على الله بل لله الحجّة عليكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


"حياة الصحابة" (4\256-259)



2. خطبته رضي الله عنه عن نعم الله:


ان الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر واتّخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا عن غير مسألة منكم ولا رغبة منكم فيه اليه, فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته, وكان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه, فجعل لكم عامة خلقه ولم يجعلكم لشيء غيره, و{ سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة}, وحملكم في البر والبحر, ورزقكم من الطيبات لعلّكم تشكرون, ثم جعل لكم سمعا وبصرا, ومن نعم الله عليكم؛ نعم عمّ بها بني آدم, ومنها نعم اختصّ بها أهل دينكم, ثم صارت تلك النعم خواصّها وعوامّها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم, وليس من تلك النعم نعمة وصلت الى امرئ خاصّة الا لو قسم ما وصل اليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها, وفدحهم حقّها الا بعون الله مع الايمان بالله ورسوله, فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها, قد نصر الله دينكم, فلم تصبح أمّة مخالفة لدينكم الا أمتان:

أمة مستعبَدة للاسلام وأهله, يجزون لكم, يستصفون معائشهم وكدائحهم ورشح جباههم, عليهم المؤنة, ولكم المنفعة.

وأمّة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة, قد ملأ الله قلوبهم رعبا, فليس لهم معقل يلجؤون اليه, ولا مهرب يتّقون به, قد دهمتهم جنود الله عز وجل, ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسدّ الثغور باذن الله, مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الاسلام, والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد.

فما عسى أ، يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين, مع هذه النعم التي لا يحصى عددها, ولا يقدّر قدرها, ولا يستطاع اداء حقها الا بعون الله ورحمته ولطفه. فنسألأ الله الذي لا اله الا هو الذي أبلانا هذا أ، يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة الى مرضاته.

واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم, واستتمّوا نعمة الله عليكم وفي كجالسكم مثنى وفرادى, فان الله عز وجل قال لموسى:{ أخرج قومك من الظلمات الى النور وذكّرهم بأيام الله}

وقال لمحمد صلى الله عليه وسلّم:{ واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض}.

فلو كنتم اذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها, وتستريحون اليها مع المعرفة بالله ودينه, وترجون بها الخير فيما بعد الموت؛ لكان ذلك, ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة, وأثبته بالله جهالة, فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي اليها المعاد والمنقلب, وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه أحرياء أن تشحّوا على نصيبكم منه, وأ، تظهروه على غيره قبله, ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة, ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم, فأذكّركم اله الحائل بين قلوبكم الا ما عرفتم حق الله, فعملتم له وقسرتم أنفسكم على طاعته, وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لها ولانتقالها ووجلا منها ومن تحويلها, فانه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها, وان الشكر أمن للغير ونماء اانعمة واستيجاب للزيادة. هذا لله عليّ من أمركم ونهيكم واجب.


"حياة الصحابة" (4\264-267)



3. خطبته رضي الله عنه عن نعمة العز بالاسلام:

الحمد لله الذي أعزنا بالاسلام, وأكرمنا بالايمان, ورحمنا بنبيّه صلى الله عليه وسلم فهدانا به من الضلالة, وجمعنا به من الشتات, وألّف بين قلوبنا, ونصرنا على عدوّنا, ومكّن لنا في البلاد, وجعلما به اخوانا متحابّين, فاحمدوا الله على هذه النعمة, واسألوه المزيد فيها والشكر عليها, فان الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم. وايّاكم والعمل بامعاصي, وكفر النعمة, فكلما كفر قوم بنعمة, ولم ينزعوا الى التوبة الا سلبوا عزّهم, وسلّط عليهم عدوّهم.

أيها الناس ان الله قد أعز دعوة هذه الأمة, وجمع كلمتها, وأظهر فلجها, ونصرها وشرّفها, فاحمدوه عباد الله على نعمه, واشكروه على آلائه.

جعلنا الله وايّاكم من الشاكرين.


"العقد الفريد" (4\63)



من خطب سيدنا عثمان بن عفان

رضي الله عنه


أخرج ابن جرير الطبري من طريق سيف عن بدر بن عثمان عن عمه قال: لما بايع أهل الشورى عثمان خرج, وهو أشدّ كآبة, فأتي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس, فحمد الله وأثنى عليه, وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم , وقال:


انكم في دار قلعة وفي بقية أعمار, فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه, فقد أتيتم صبّحتم أ, مسيّتم, ألا وان الدنيا قد طويت على الغرور, { فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغرور}, واعتبروا بمن مضى, ثم جدّوا ولا تغفلوا, فانه لا يغفل عنكم, أين أبناء الدنيا واخوانها الذين أثاروا وعمروها ومتّعوا بها طويلا؟ ألأم تلفظهم؟ أرموا بالدنيا حيث رمى الله بها, واطلبوا الآخرة,فان الله قد ضرب لها مثلا, والذي هو خير, فقال عزّ وجلّ:{ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا}.


" حياة الصحابة" (4\277)



وأخرج ابن جرير الطبري عن طريق سيف بن بدر عن عثمان عن عمه قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة:


ان الله عز وجل انما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة, ولم يعطكموها لتركنوا اليها, ان الدنيا تفنى والآخرة تبقى, فلا تبطرنّكم الفانية, ولا تشغلنّكم عن الباقية, فآثروا ما يبقى على ما يفنى, فان الدنيا منقطعة, وان المصير الى الله. اتقوا الله عز وجل, فان تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده, واحذروا من الله الغير, الزموا جماعتكم, ولا تصيروا أحزابا, {واذكروا نعمت الله عليكم اذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا}.


"حياة الصحابة" (4\282)




من خطب سيدنا علي رضي الله عنه



1. خطبة جامعة للخير ناهية عن الشر

الحمد لله فاطر الخلق وفالق الاصباحوناشر الموتى وباعث من في القبور, وأشهد أن لا اله الا الله, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, وأوصيكم بتقوى الله, فان أفضل ما توسّل به العبد الايمان والجهاد في سبيله, وكلمة الاخلاص, فانها الفطرة, واقام الصلاة, فانها الملّة, وايتاء الزكاة, فانها من فريضته, وصوم شهر رمضان, فانها جنّة من عذابه, وحجّ البيت, فانه منفاة للفقر ومدحضة للذنب, وصلة الرحم, فانها مثراة في المال, منسأة في الأجل, محبّة في الأهل, وصدقة السر, فانها تكفّر الخطيئة, وتطفئ غضب الرب, وصنع المعروف, فانه يدفع ميتة السوء, ويقي مصارع الهول, أفيضوا في ذكر الله, فانه أحسن الذكر, وارغبوا فيما وعد المتقون, فان وعد الله أصدق الوعد, واقتدوا بهدي نبيّكم صلى الله عليه وسلّم, فانه أفضل الهدي, واستسنّوا بينته, فانها أفضل السنن, وتعلموا كتاب الله, فانه أفضل الحديث, وتفقّهوا في الدين, فانه ربيع القلوب, واستشفوا بنوره, فانه شفاء لما في الصدور, وأحسنوا تلاوته, فانه أحسن القصص, واذا قرئ عليكم, فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم ترحمون, واذا هديتم لعلمه, فاعملوا بما علمتم به لعلّكم تهتدون, فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله, بل قد رأيت أن الحجة أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحيّر في جهله, وكلاهما مضلل مثبور, ولا ترتابوا, فتشكّوا, ولا تشكّوا فتكفروا, ولا ترخّصوا لأنفسكم, فتذهلوا, ولا تذهلوا في الحق, فتخسروا. ألا وان من الحزم أن تثقوا, ومن القة ألا تغترّوا, وان أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه, من يطع الله, يأمن ويستبشر, ومن يعص الله, يخف ويندم, ثم سلوا الله اليقين, وارغبوا اليه في العافية, وخير ما دام في القلب اليقين.


ان عوازم الأمور أفضلها, وان محدثاتها شرارها, وكل محدثة بدعة, وكل محدث مبتدع, ومن ابتدع فقد ضيّع, وما أحدث محدث بدعة الا ترك بها سنّة.

المغبون من غبن دينه, والمغبون من خسر نفسه.

وان الرياء من الشرك, وان الاخلاص من العمل والايمان, ومجالس اللهو تنسي القرآن, ويحضرها الشيطان, وتدعو الى كل غيّ, ومجالسة النساء تزيغ القلوب, وتطمح اليه الأبصار, وهي مصائد الشيطان, فاصدقوا الله, فان الله مع من صدق, وجانبوا الكذب, فان الكذب مجانب للايمان.

ألا ان الصدق على شرف منجاة وكرامة, وان الكذب على شرف ردى وهلكة.

ألا وقولوا الحق, تعرفوا به, واعملوا به, تكونوا من أهله, أدّوا الأمانة الى من ائتمنكم, وصلوا رحم من قطعكم, وعودوا بالفضل على من حرمكم, واذا عاهدتم, فأوفوا, واذا حكمتم فاعدلوا, ولا تفاخروا بالآباء, ولا تنابزوا بالألقاب, ولا تمازحوا, ولا يغتب بعضكم بعضا, وأعينوا الضعيف, والمظلوم, والغارمين, وفي سبيل الله, وابن السبيل, والسائلين, وقي الرقاب, وارحموا الأرملة واليتيم, وأفشوا السلام, وردّوا التحيّة على أهلها بمثلها أو بأحسن منها { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديدالعقاب}, وأكرموا الضيف, وأحسنوا الى الجار, وعودوا المرضى, وشيّعوا الجنازة, وكونوا عباد الله اخوانا.

أما بعد: فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع, وان الآخرة قد أظلّت وأشرفت باطلاع, وان المضمار اليوم وغدا السباق, وان السبقة الجنة والغاية النار. ألا وانكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثّه عجل, فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد أحسن عمله, ونال أمله, ومن قصر عن ذلك خسر عمله, وخاب أمله وضرّه أمله, فاعملوا في الرغبة والرهبة, فان نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة, فان الله قد تأذن المسلمين بالحسنى, ولمن شكر بالزيادة, واني لم أر مثل الجنة نام طالبها, ولا كالنار نام هاربها, ولا أكثر مكتسبها من شيء كسبه ليوم تدّخر فيه الذخائر, وتبلى فيه السرائر, وتجمع فيه الكبائر, وانه من لا ينفعه الحق, يضرّه الباطل, ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال, ومن لا ينفعه اليقين يضرّه الشك, ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أ‘وز, وغائبه عنه أعجز.

انكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد, ألا وان أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل فينسي الآخرة, وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق.

ألا وان الدنيا قد رحلت مدبرة, وان الآخرة قد ترحّلت مقبلة, ولهما بنون, فكونوا من أبناء الآخرة ان استطعتم, ولا تكونوا من بني الدنيا, فاليوم عمل ولا حساب, وغدا حساب ولا عمل.

ذكرها الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية", وقال فيها: هذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن اشر.


"حياة الصحابة" (4\296-300)



2. خطبته رضي الله عن الفناء وحال أهل القبور:


ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة: أن علي ابن أبي طالب خطب فقال:

الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكّل عليه, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليزح به علتكم, ويوقظ به غفلتكم, واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيّون بها, فلا تغرّنكم الحياة الدنيا فانها دار بالبلاء محفوفة, وبالفناء معروفة, وبالغدر موصوفة, وكل ما فيها الى زوال, وهي ما بين أهلها دول سجال, لن يسلم من شرّها نزّالها, بينما أهلها في رخاء وسرور, اذا هم منها في بلاء وغرور, العيش فيها مذموم, والرخاء فيها لا يدوم, وانما أهلها فيها أغراض مستهدفة, ترميهم بسهامها, وتقصمهم بحمامها.

عباد الله انكم وما أنتم من هذه الدنيا عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر منكم ديارا وأبعد آثارا, فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقبلها, وأجسادهم بالية, وديارهم خالية, وآثارهم عافية, واستبدلوا بالقصور المشيّدة, والسرر والنمارق الممهدة, الصخور والأحجار المسندة في القبور الملاطية الملحدة التي قد بني على الخراب فناؤها, وشيّد بالتراب بناؤها, فمحلّها مقترب, وساكنها مغترب, بين أهل عمارة موحشين, وأهل محلّة متشاغلين, لا يستأنسون بالعمران, ولا يتواصلون تواصل الجيران, على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدار, وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى, وأكلتهم الجنادل والثرى؟ فأصبحوا بعد الحياة أمواتا, وبعد غضارة العيش رفاتا, فجع بهم الأحباب, وسكنوا التراب, وظغنوا فليس لهم اياب, هيهات هيهات! {كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون}, فكان قد صرتم الى ما صاروا عليه من الوحدة والبلى في دار الموتى, وارتهنتم في ذلك المضجع وضمّكم ذلك المستودع, فكيف بكم لو تناهت الأمور, وبعثرت القبور, وحصّل ما في الصدور, وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل؟ فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب, وهتكت عنكم الحجب والأستار, فظهرت منكم العيوب والأسرار, هنالك تجزى كل نفس بما كسبت, ايجزي الذين أساؤوا بما عملوا, ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} جعلنا الله وايّاكم عاملين بكتابه متّبعين لأوليائه حتى يحلّنا وايّاكم دار المقامة من فضله, انه حميد مجيد.

وأخرجه الدينوري وابن عساكر عن عبد اللع بن صالح العجلي عن أبيه.


"حياة الصحابة" (4\286-288)



3. خطبته رضي الله عنه عن العظات الخمس:

أيها الناس!! احفظوا عني خمسا, فلو شددتم اليها المطايا حتى تنضوها, لم تظفروا بمثلها. ألا لا يرجون أحدكم الا ربه, ولا يخافنّ الا ذنبه, ولا يستحي أحدكم اذا لم يعلم أن يتعلم, واذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم, ألا وان الخامسة الصبر, فان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. ومن لا صبر له لا ايمان له, ومن لا رأس له لا جسد له. ولا خير في قراءة الا بتدبّ{, ولا في عبادة الا بتفكّر, ولا في حلم الا بعلم. ألا أنبئكم بالعالم كل العالم, من لم يزيّن لعباد الله معاصي الله, ولم يؤمنهم مكره, ولم يؤيسهم من روحه. ولا تنزلوا المطيعين الجنة, ولا المذنبين الموحدين النار, حتى يقضي الله فيهم بأمره.

لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله فانه يقول:

{فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون}.

ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة الله:{ انه لا يايئس من روح الله الا القوم الكافرون}.





من خطب الحسن البصري

رحمه الله


خطب الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

با ابن آدم: بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا, ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا.

يا ابن آدم! اذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه, واذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم فيه. الثواب ههنا قليل, والبقاء هناك طويل. أمتكم آخر الأمم, وأنتم آخر أمتكم, وقد أسرع بخياركم, فماذا تنتظرون؟ المعاينة؟ فكأن قد! هيهات هيهات, ذهبت الدنيا بحال بالها, وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم.

فيا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! أما انه والله لا أمّة بعد أمتكم, ولا نبي بعد نبيكم, ولا كتاب بعد كتابكم! أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم, وانما ينتظر بأولكم أن يلحقه آخركم. من رأى محمدا صلى الله عليه وسلم, فقد رآه غاديا ورائحا, لم يضع لبنة على لبنة, ولا قصبة على قصبة, ورفع له علم فشمّر اليه, فالوحاء الوحاء! والنجاء النجاء! علام تعرجون؟ أتيتم, ورب الكعبة, قد أسرع بخياركم, وأنتم كل يوم ترذلون, فماذا تنتظرون؟.

ان الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على علم منه, اختاره لنفسه, وبعثه برسالته, وأنزل عليه كتابه, وكان صفوته من خلقه, ورسوله الى عباده, ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر اليه أهل الأرض, وآتاه منها قوتا وبلغة, ثم قال:{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}, فرغب أقوام عن عيشه, وسخطوا ما رضي له ربه, فأبعدهم الله وسحقهم.

يا ابن آدم: طأ الأرض بقدمك, فانها عن قليل قبرك, واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. رحم الله رجلا نظر فتفكّر, وتفكّر فاعتبر, وأبصر فصبر, فقد أبصر أقوام ولم يصبروا, فذهب الجزع بقلوبهم, ولم يدركوا ما طلبوا, ولم يرجعوا الى ما فارقوا.

يا بن آدم! اذكر قول الله تعالى:{ وكلّ انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} , عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا وذروا طدرها, فليس الصفو ما عاد كدرا, ولا الكدر ما عاد صفوا. دعوا ما يريبكم الى مالا يريبكم, ظهر الجفاء, وقلّت العلماء, وعفت السنّ’, وشاعت البدعة, لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم الا قرّة العين, وجلاء الصدور. ولقد رأيت أقواما لحسناتهم لأشفق من أن ترد عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها, وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم منها.

مالي أسمع حسيسا, ولا أرى أنيسا! ذهب الناس, وبقي النسناس. لو تكاشفتم ما تدافنتم. تهاديتم الأطباق, ولم تتهادوا النصائح.

قال ابن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى الينا مساوينا.

أعدّوا الجواب فانكم مسؤولون. المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه, ولكنه أخذه من قبل ربّه. ان هذا الحق قد جهد أهله, وحال بينهم وبين شهواتهم, وما يصبر عليه الا من عرف فضله ورجا عاقبته. فمن حمد الدنيا ذمّ الآخرة, وليس يكره لقاء الله الا مقيم على سخطه.

يا ابن آدم! الايمان ليس بالتحلي ولا بالتمني, ولكنه ما وقر في القلب وصدّقه العمل.



"كيف تكون خطيبا" (41-43)

من خطب سيدنا عمر بن عبد العزيز

رحمه الله



  • التذكير بالموت:

أيها الناس انكم لم تخلقوا عبثا, ولم تتركوا سدى, وانكم لكم معاد ينزل الله تبارك وتعالىللحكم فيه والفصل بينكم, فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء, وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض, ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين, وسيخلفها بعدكم الباقون, حتى ترد الى خير الوارثين, في كل يوم تشيّعون غاديا الى الله ورائحا قد قضى نحبه, وانقضى أجله, ثم تغيّبونه في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهد, قد فارق الأحباب, وخلع الأسلاب, وواجه الحساب, وسكن التراب, مرتهنا بعمله, غنيّا عمّا ترك, فقيرا الى ما قدّم. وايم الله اني لأقول لكم هذه المقالة, وما أعلم عند أحد منكم من الذموب أكثر مما أعلم عندي, فأستغفر الله وأتوب اليه, وما أحد منكم تبلغني حاجته الا حرصت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه, وما أحد لا يسعه ما عندي الا وددت أنه بدئ بي وبلحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وايم الله لو أردت غير هذا من رخاء أو غضارة عيش لكان اللسان مني ذلولا, ولكنه مضى من الله كتاب ناطق أمرني فيه بطاعته, ونهاني فيه عن معصيته.


  • التذكير بالموت:
يا أيها الناس! انّ امرءا أصبح ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق له في الموت.

أيها الناس! ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين, وفي بيوت الميتين, وفي دور الظاعنين, جيرانا كانوا معكم بالأمس, أصبحوا في دور خامدين, بين آمن روحه الى يوم القيامة, وبين معذب روحه الى يوم القيامة, ثم تحملونه على أعناقكم, ثم تضعونه في بطن من الأرض, بعد غضارة من العيش وتلذذ في الدنيا, فانا لله وانا اليه راجعون, أم والله لو أردت غير هذا من الكلام لكان اللسان به مني منبسطا, ولكنت بأسبابه عارفا.



"سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الامام مالك بن أنس وأصحابه" لعبد الله بن عبد الحكيم.

من خطب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه



ذكر أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي عن معاوية, رضي الله عنه:

أنه حمد الله وأثنى عليه وأ,جز, ثم قال:

أيها الناس انا قد أصبحنا في دهر عنود, وزمن شديد, يعد فيه المحسن مسيئا, ويزداد الظالم فيه عتوّا, لا ننتفع بما علمنا, ولا نسأل عما جهلنا, ولا نتخوّف قارعة حتى تحل بنا, فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأ{ض الا مهانة نفسه, وكلا حدّه, ونضيض وفره, ومنهم الصلت لسيفه, المجلب برجله, المعلن بشرّه, وقد أشرط نفسه, وأوبق دينه, لحطام ينتهزه, أ, مقت يقوده, أو منبر يقرعه, وليس المتجران تراهما لنفسك ثمنا, وبمالك عند الله عوضا, ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة, ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا, قد طامن من شخصه, وقارب من خطوه, وشمّر عن ثوبه, وزخرف نفسه بالأمانة, واتخذ ستر الله ذريعة الى المعصية, ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضآلة نفسه, وانقطاع سببه, فقصّرت به الحال عن حاله, فتحلى باسم القناعة, وتزيّا بلياس الزّهادة, وليس من
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ragab2010.yoo7.com
محمود



ذكر
عدد المساهمات : 21
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 29/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: كتاب خطب الجمعة الجزء الاول(خطب الرسول والصحابة والتابعين)   الإثنين أغسطس 02, 2010 8:35 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب خطب الجمعة الجزء الاول(خطب الرسول والصحابة والتابعين)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ رجب ابو الدهب :: منبر الجمعة-
انتقل الى: